ابن أبي الحديد

189

شرح نهج البلاغة

( 34 ) ومن خطبة له عليه السلام في استنفار الناس إلى أهل الشام : أف لكم ! لقد سئمت عتابكم . أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا ، وبالذل من العز خلفا ! إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم ، كأنكم من الموت في غمرة ، ومن الذهول في سكرة . يرتج عليكم حواري فتعمهون ، فكأن قلوبكم مألوسة ، فأنتم لا تعقلون . ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي ، وما أنتم بركن يمال بكم ، ولا زوافر عز يفتقر إليكم . ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها ، فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر . لبئس لعمر الله سعر نار الحرب أنتم ! تكادون ولا تكيدون ، وتنتقص أطرافكم فلا تمتعضون ، لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون . غلب والله المتخاذلون ! وأيم الله ، إني لأظن بكم أن لو حمس الوغى ، واستحر الموت ، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس . والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه ، يعرق لحمه ، ويهشم عظمه ، ويفري جلده ، لعظيم عجزه ، ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره . أنت فكن ذاك إن شئت ، فأما أنا فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام ، وتطيح السواعد والاقدام ، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء . أيها الناس ، إن لي عليكم حقا ، ولكم علي حق ، فأما حقكم علي فالنصيحة